صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

414

تفسير القرآن الكريم

وجحيم الأشقياء هي فراقهم عن مشتهيات الدنيا ولذاتها الباطلة وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ [ 34 / 54 ] وأما جنة المقربين فمشاهدة معبودهم ، ومقابلها - وهو الاحتجاب - جحيم المبعدين كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [ 83 / 15 ] . قال بعض المحبّين : « العشق هو الطريق ، ورؤية المعشوق هي الجنة ، والفراق هو النار ، نار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة » . واعلم أن مذهب العشاق وطريقهم غير مذاهب الناس وطرائقهم ، وحركة العشاق وسعيهم غير حركات الناس ومساعيهم ، فاعلا وغاية ، حيث أن محرّك العاشقين جذبة الحق التي توازى عمل الثقلين ، وغاية سعيهم وسفرهم ومنتهى حركاتهم لقاء اللّه تعالى ، وجحيمهم هو الاحتجاب عنه « الجار ثمّ الدار » وإنّما يريدون الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، لما فيها ظلال وجهه وأشعّة نور جماله . ومما ينبّه على هذا الدعوى أن رؤية الشمس شيء ورؤية شعاعها شيء آخر ، إلا أن الشمس لا تعرف ولا تهتدى إليها إلا بالشعاع ، وهذا مثال إرادة العارف للأشياء ، وطاعته لمن سواه ، وهاهنا مثال آخر ، أوضح من هذا عند أصحاب الفكر والخيال : إن رؤية القمر في الماء شيء ، ومعاينة وجه القمر ليلة البدر شيء آخر ، فمن رأى وجه القمر في الماء فقد رآه ، إلا أنه رآه مع حجاب من وهمه ، وهكذا قلب العارف كالمرآة التي يتراءى فيها سرّ اللّه ، كما قال بعضهم : « مثل القلب كالمرآة ، إذا نظر فيها تجلّى ربّه » . وكان في مصحف ابن مسعود رضى اللّه عنه : « مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة فيها مصباح » فانظركم بين قلب منوّر يشاهد فيها نور وجه اللّه ، وبين قلب مسود منكوس كان عشّ الشيطان وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً